مجمع البحوث الاسلامية

563

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ويرتاح إلى لقائه لمشاكلة بينهما ، ولا مشاكلة بين اللّه تعالى وبين النّاس ، فيظهر فيهم هذا النّوع من الحبّ . ومن أسباب الحبّ اعتقاد المحبّ أنّ في المحبوب قدرة فوق قدرته ، ونفوذا يعلو نفوذه ، مع ثقته بأنّه يهتمّ لأمره ويعطف عليه ؛ بحيث يمكنه اللّجأ إليه عند الحاجة ، فيستعين به على ما لا سبيل له إليه بدونه . فهذا الاعتقاد يحدث انجذابا من المعتقد يصحبه شعور خفيّ بأنّ له قوّة عالية مستمدّة ممّن يحبّ ، ويعظم هذا النّوع من الحبّ بمقدار ما يعتقد في المحبوب من الصّفات والمزايا الّتي بها كان مصدر المنافع وركن اللّاجئ ، وكلّ ما للمخلوق من ذلك فهو داخل في دائرة الأسباب والمسبّبات والأعمال الكسبيّة . وأمّا قوّة الخالق وقدرته ، وما يعتقده المؤمنون فيه من الرّحمة الشّاملة ، والصّفات الكاملة ، والمشيئة النّافذة ، والتّصرّف المطلق في تسخير الأسباب والمسبّبات ، والسّلطان المطاع في الأرض والسّماوات ، فذلك ممّا يجعل حبّه تعالى أعلى من كلّ ما يحبّ ، للرّجاء فيه وانتظار الاستفادة منه ولغير ذلك . وهذا الحبّ لا ينبغي أن يكون لغير اللّه تعالى ؛ إذ لا يلجأ إلى غيره في كلّ شيء كما يلجأ إليه . ولكن متّخذي الأنداد قد أشركوا أندادهم معه في هذا الحبّ ، فحبّهم إيّاهم من نوع حبّهم إيّاه جلّ ثناؤه : لا يخصّونه بنوع من الحبّ ؛ إذ لا يرجون منه شيئا إلّا وقد جعلوا لأندادهم مثله ، أو ضربا من التّوسّط الغيبيّ فيه ، فهم كفّار مشركون بهذا الحبّ الّذي لا يصدر من مؤمن موحّد ، ولذلك قال تعالى بعد بيان شركهم هذا : وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من كلّ ما سواه ، لأنّ حبّهم له خاصّ به سبحانه لا يشركون فيه غيره ، فحبّهم ثابت كامل ، لأنّ متعلّقه هو الكمال المطلق الّذي يستمدّ منه كلّ كمال . وأمّا متّخذو الأنداد فإنّ حبّهم متوزّع متزعزع ، لاثبات له ولا استقرار . للمؤمن محبوب واحد يعتقد أنّ منه كلّ شيء ، وبيده ملكوت كلّ شيء ، وله القدرة والسّلطان على جميع الأكوان ، فما ناله من خير كسبيّ فهو بتوفيقه وهدايته ، وما جاءه بغير حساب فهو بتسخيره وعنايته ، وما توجّه إليه من أمر فتعذّر عليه ، فهو يكله إليه ، ويعول فيه عليه . وللمشرك أنداد متعدّدون ، وأرباب متفرّقون ، فإذا حزبه أمر ، أو نزل به ضرّ ، لجأ إلى بشر أو صخر ، أو توسّل بحيوان أو قبر ، أو استشفع بزيد وعمرو ، لا يدري أيّهم يسمع ويسمع ، ويشفع فيشفّع ، فهو دائما مبلبل البال ، لا يستقرّ من القلق على حال . هذا هو حبّ المشركين للقسم الأوّل من الأنداد ؛ ومن الحبّ نوع سببه الإحسان السّابق ، كما أنّ سبب الأوّل الرّجاء بالإحسان اللّاحق ، ومن الإحسان ما تتمتّع به ساعة أو يوما أو أيّاما متاعا قليلا أو كثيرا ، ومنه ما تكون به سعيدا في حياتك كلّها كالتّربية الصّحيحة والتّعليم النّافع ، والإرشاد إلى ما خفي من المنافع ، وكلّ هذا ممّا يكون من النّاس بكسبهم . وليس في طاقة البشر أن يحسن بعضهم إلى بعض بإحسان ، إذا قبله المحسن إليه وعمل به يكون سعيدا في الدّنيا والآخرة ؛ بحيث تكون سعادته به غير متناهية . وهذا الإحسان الّذي يعجز عنه البشر هو هداية